السلمي
تصدير 43
طبقات الصوفية
فالعناية بنشر آثار أبي عبد الرحمن ستمكن الباحثين ، في تاريخ الفكر الإسلامي ، من الحكم على موضع التصوف فيه ، حكماً صادقاً أميناً . والله المعين لمن يتصدى لذلك الجهد الكبير . أبو عبد الرحمن ورأي العلماء فيه : بين الصوفية والفقهاء والمحدثين بعامة ، والحنابلة منهم بخاصة ، صراع عنيف بدت بواكيره في النصف الأخير من القرن الثاني . وليس هذا مقام بحث موضوع دقيق مثل هذا الموضوع ، ولكن الذي أحب أن أوجه النظر إليه ، هو الترابط الزمني ، بين استبحار الحضارة الإسلامية ، ودخول العناصر الجديدة من الثقافات الأخرى وبين نشوء هذا الصراع وتطوره . وأهم شخصية تصادفنا في ذلك الصراع هي شخصية الأمام الجليل أحمد بن حنبل . فقد أتسم هذا الرجل بالخلق الكريم ، والعلم الإسلامي الغزير ، ولكنه كان يكره هذه العناصر الدخيلة على الفكر الإسلامي ، ويريد الإسلام عربياً خالصاً . هذا الرجل الذي ثبت على قوله القرآن ، أمام صولة الدولة السياسية ، واستظهار المعتزلة عليه وعلى صحبه بالأفكار الفلسفية ، كان خصماً لكثير من صوفية عصره . ولا أحب أن أناقش صواب هذه الخصومة أو خطأها ، إنما مكان ذلك في حياة ابن حنبل نفسه . وجاء بعده ابن تيمية ، وكانت الكثرة من المتصوفة أرباب رسوم ، وهم الذين ثاروا من قبل رسوم غيرهم ، وكان العالم الإسلامي في صراع مرير مع الصليبية ولم يكن موقف الصوفية ، موقف أسلافهم من المجاهدة في سبيل الله بالسيف والقدوة ، بل لعلهم كانوا في أحوال كثيرة حرباً عليه ، فحمل ابن تيمية على الصوفية حملة عنيفة تابعها من بعده ابن الجوزي . وقد نال أبو عبد الرحمن في هذا الصراع ، ما ينال كل صوفي ينافح عن فكرته